نوارس تائهة..قصة قصيرة للإديبة ليلى عبدالواحد المراني


نوارس تائهة... قصَّة قصيرة
ليلى عبدالواحد المرّاني

يومٌ صيفيّ قائظ، تنزُّ الأجساد عرقاً لزجاً، وتكاد الجلود تتشقّق جفافاً، كما الأرض والعشب والشجر، تقود سيارتها بسرعةٍ جنونية، ضاربةً إشارة المرور الحمراء أحياناً، كأنها تهرب من سياط شمس تموز الحارقة، أجفل، أنظر إليها خائفةً، متوجّسةً من جنونها، تفرّ كلماتي متعثّرةً رغماً عني.
- خفّفي السرعة عزيزتي، لسنا في سباق.
تحدجني بطرف عينها معاتبة؛ فأكتم احتجاجي.
في مطعمٍ أنيق يطلّ على قناةٍ بحريّة تعجُّ بقوارب شراعية قديمة، وأخرى حديثة... تتزاحم طوابير من البشر بأعمارٍ مختلفة طلباً لنفحة هواءٍ منعشة، نجلس تحت مظلّةٍ سوداء كبيرة، تخرج علبة سجائر، وقبل أن يأتي النادل، تكون قد أحرقت سيجارتها الأولى، وأشعلت الثانية، أنظر إليها بحذرٍ وصمت، أخشى أن أخوض معها حديثاً قد يفاقم الوضع ويزيد من حدّتها وغليانها، تحدِّّق في وجهى فجأةً، وتساؤل كبير يملأ عينيها.
يا إلهي!.. كم جميلةٌ عيناها الآن وهما تشعّان مُستَفَزّتان، تبدوان أكثر اتساعاً وأجمل، أتساءل وأنا مزهوّة بها، من أين سرقت صفوهما واللون الذي يضاهي العسل النقيَّ وأحلى؟ هل هو مزيج زرقة عيني والدها ولون عينيّ البنّي؟
- أتعلمين ماما؟
تبادرني ودموعها تنهمر، أمسك يدها بكلِّ ما أمتلك من حبّ لهذه الابنة التي أصبحت أمّاً، وما تزال تعبث بداخلها تلك الطفلة المشاكسة العنيدة، الخرسُ يعقد لساني، وأنا لا أُدركُ حينها ماذا تريد أن تقول، ولماذا جئنا إلى هذا المكان بالذات، أحوّل نظراتي بعيداً عنها، كي تسترجع أنفاسها التي تلهث، أنظر دون أن أعيَ شيئاً إلى أسرابٍ من البشر يعجّ بهم الرصيف، يرتطمون ببعضهم أحياناً، يتعانقون، يضحكون؛ وأسراب النوارس المشاكسة تشاركهم متعتهم، تخفق بأجنحتها فوق مياه القناة وفوق القوارب، أسرابٌ أخرى تحاول سرقة طعام عشّاقٍ يتعانقون، وأسراب أفكارٍ ووساوس يضيق بها رأسي، لا أعي مصدرها، بعد فترة صمت ضاق بها صدري، تقول بصوت موجوع:
- بابا أراد أن يدعوني إلى مطعمٍ على البحر .
انكفأت ذاكرتي إلى دار المسنين والعجزة، تمتمت كلماتٍ مبهمة وبصوتٍ خفيض .
- عدّة مرّاتٍ دعاني، ألحّ أن نكون وحدنا، لديه ما يريد أن يفضي به إليّ، هكذا قال .
أعود أنظر إلى عينيها، واسعتان تشعّان وتسكبان شهداً، دموع شفيفة تغرقهما؛ فألتزم الصمت، ليس لديّ ما أقوله، أريد أن أسمع منها فقط.
- كرّر دعوته كثيراً، وفِي كلّ مرّة أعتذر، الشغل، البيت والأولاد، السفر، في المرّة القادمة، أعدك حبيبي.
تشعل سيجارة أخرى، قد تكون التاسعة أو العاشرة؛ فلم أعد أُحصي، ولم أعد أراقب حركة يدها المتشنّجة، أذهب بعيداً إلى هناك، حيث هو الآن، يكاد يكون كسيحاً، سنوات مضت على انفصالنا، دؤوب الحركة كان، لا يكاد مكان يضمّه أكثر من خمس دقائق، كثير الكلام، لا يتوقف، كنت أحياناً أمازحه وأستفزّه حين أقول: خيرُ الكلام ما قلّ ودلّ، فيصعد الدم قانياً إلى وجهه، وزرقة عينيه تزداد عمقاً، وهو يتمتم بكلماتٍ، يلعنني؛ فأضحك .
- أخر مرّةٍ حين كنت في ألمانيا، قرّرت وأنا في الطائرة أن ألبّي دعوته حين أعود.
ويخفق قلبي وأنا أذكر ذلك اليوم المشؤوم، يرنّ جرس الباب، يفتحه ابني الصغير ويعود إلى غرفته، ما أزال منكبّةً على جهاز الكومبيوتر أكتب، أشعر أن هناك من يراقبني، أرفع رأسي، أراه واقفاً أمامي كتمثالٍ خشبيّ، ونظرةٌ تائهة تجول في عينيه .
- كيف خرجت بهذا الجوّ الممطر والعاصف؟
- ……………
- سأنهي كتابة آخر جملتين، ثم أجهّز لك الشاي، اخلع معطفَك وجفّف شعرك.
- ……………
أرفع رأسي، أنظر إليه، وجهه شمعيّ وفمه مفتوح، يحاول أن يقول شيئاً، لا صوت، سوى حشرجة متقطّعة... يعيدني صوتها من جديد
- اتصلت به، لم يجبني، اتصلت عدّة مراتٍ، ليس غير الصمت
تشنّج صوتها، واختنق .
- لعنة السماء كلها هبطت على رأسي تمزّقه حين سمعت منكم لاحقاً ما حدث.
وتعود الصورة حالكةً أمامي... " أصيب بجلطةٍ في الدماغ مع نزيفٍ موضعي"، هكذا يخبرنا الطبيب وسط هلعنا وذهولنا.
- أردت أن أعرف منكم ما حدث لأبي، لم تخبروني ساعتها، قلتم إنه سافر.
- كيف نفاجئك بالخبر المشؤوم يا عزيزتي، وقد عدت لتوّك من السفر؟
- خمّنتُ أنه مريض، لم أصدِّق حكاية السفر.
تسحب نفساً عميقاً من سيجارتها وتنفثه بقوّة... يحطّ طائر نورسٍ قريباً منّا، يحاول أن يسرق شيئاً من الطعام، أريد أن أبعده، لكنها ترمي له طعامها، تضحك، ثم تنهمر دموعها وهي تردد" ليذهب كلّ شيءٍ إلى الجحيم.."
يتقاطر سرب نوارس أخرى، تجمّعت لتلتهم الطعام .
- للآن أتساءل، ماذا أراد بابا أن يقول، أتحدّث معه في كلّ زيارة، لا يعي ما أقول، يظلُّ يتكلّم، لا أفهم شيئاً، حتى حين جئت به إلى هذا المطعم، أحاول أن أعيد ذاكرته، تكلٌم كثيراً عن عالمه الخاص الذي يعيشه، لا أعرف عن ماذا يتكلّم، ولا الأشخاص الذين يتبادل معهم الحديث، ويضحك، هل كان يفهم ما أقول، هل يعرفني بعد أن فقد ذاكرته ونسي أولاده وأسماءهم، ما فاجأني وأذهلني أنه ضغط على يدي حين غادرنا المطعم، ولأوٌل مرّةٍ كانت كلماته واضحة، وعيناه الزرقاوان تبتسمان كطفلٍ وديع، " هذا هو المكان الذي أردتُ أن أدعوك إليه "

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي