عِطرٌ يسكن المسامات.... قصة قصيرة.. بقلمي: أحمد مصطفى الهلالي
عِطرٌ يسكن المسامات
بقلم: أحمد مصطفى الهلالي
مرّت سنوات عمره متشحةً برماد الحزن، تترك في قلبه ندوباً وفراغاتٍ لم تندمل، وكأن الأيام لم تكن سوى صفحات خاوية من المعنى. ها هو اليوم يهمّ بطيِّ ذلك الماضي الأليم، باحثاً عن فجرٍ جديد يُبرئ جراح روحه المغتربة.
أتاه الاتصال الذي انتظره طويلاً؛ التقط هاتفه بلهفة، فكان الخبر اليقين: "لقد تم قبولك في الوظيفة". ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة لم يذق طعمها منذ زمن، وهرع بقلبٍ نابض يجهز أوراقه، ثم انتقى من خزانته أكثر ثيابه أناقة، وكأنه يستعد لموعدٍ مقدس مع القدر.
حين وصل لمقابلة رئيسه الجديد، كانت الآمال تحدوه من كل جانب كأنها بعثٌ جديد. كُلِّف بمهمته الأولى: تنظيم رحلة للشركة إلى "مدينة السلام" (شرم الشيخ). نهض بكامل حماسه، وبينما هو غارق في غمرة العمل والتواصل مع المسافرين، جاءه اتصالٌ هزّ أركان قلبه؛ صوتٌ عذب ناعم، كأنه نداءٌ آتٍ من سماءٍ بعيدة، ينساب في أذنه برقة متناهية.
"نعم سيدتي، ستنطلق الرحلة في موعدها.. أنا بانتظارك."
في موعد اللقاء، ولأول مرة في حياته، شعر بجمال اسمه حين نطقته هي. غمرته سعادة لم يعهدها لحظة أن التقت عيناه بعينيها. كانت تبدو كأميرة إغريقية خرجت من بطون الأساطير، ترتدي حلة العصر الحديث ببنطال "جينز" وقميص أبيض، وتُلقي التحية بابتسامة سحرت ألبابه وخطفت أنفاسه.
وقف غارقاً في دهشته، يضع يده على قلبه ليُهدئ من روعه الصاخب، بينما رمقته هي بنظرة استغراق واستغراب: "ماذا أصابك؟".
أومأ إليها وهو يردد اسمها بذهول، وكأنه يتأكد من وجودها ماديّاً أمام ناظريه.
"نعم.. أنا هي." أجابت باسمة عفوية طفولية، فخُيّل إليه أن السماء ترعد وتبرق فرحاً بهذا اللقاء. تمتم بصوت خافت: "حين حدثوني عنكِ، لم أتوقع أن تكوني بهذا البهاء".
مضى الوقت سريعاً وهما ينهيان ترتيبات الرحلة، يرتشفان القهوة الساخنة التي امتزج دفؤها بدفء اللحظة، يتبادلان نظراتٍ مختلسة تتكلم فيها العيون بكل ما تعجز عنه الألسن وسط ضجيج المحيطين. وعندما همّ الباص بالرحيل، تلامست يداهما؛ كانت ومضة حنين سرت في أوردتهما كتيارٍ كهربائي، خرجت معها الأنفاس كألسنة لهب تزداد توهجاً، مستسلمين لسطوة الدهشة وجمال البدايات. لم يبالِ بالكون وهو يحتضن يدها برفق ليُجلسها بجواره، مبللاً بذهول الحنين، قبل أن ينفصل عنها مؤقتاً ليتوجه إلى مقعده بجوار السائق.
في الطريق، انطوت المسافات تحت عجلات الباص، وانطوت معها حواجز الصمت. حدثته عن الفراغات والندوب التي خلفها رحيل زوجها، وعن قسوة الأهل الذين تخلوا عنها وعن طفلتها، لتصارع الحياة وحيدة إلا من عطف والدتها. في تلك اللحظات، كانا يقتربان أكثر، حتى صارا كروح واحدة في جسدين، يتبادلان الألم ليتحول إلى أمل.
لم يشعرا بالوقت إلا وأبواب "شرم الشيخ" تلوح في الأفق. انتهت إجراءات الإقامة وسط هرج ومرج وسعادة لفت الجميع. وحين حان وقت انصرافه بعد إتمام مهمته، عادت إليه مسرعة لتودعه، وضعت في يده رسالة صغيرة وهمست بكلمة واحدة بقيت تتردد في أعماقه: "لاحقاً..".
مضى في طريقه، محملاً برائحة عطرها التي استعمرت مساماته وسكنت وجدانه، موقناً أن "مدينة السلام" لم تكن مجرد وجهة سياحية، بل كانت المحطة التي استعاد فيها قلبه المغترب سلامه الضائع.
*****
تعليقات
إرسال تعليق