ألبوم الذكريات (وصية الأرواح)........... .. قصة قصيرةبقلمي ✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي......... مصر
إهداء
إلى الأرواح التي لم تغادر عتبات البيت يوماً..
إلى أبي.. الذي لم تسعفني سنواتي الصغيرة لأحفظ ملامحه، لكنني كبرتُ وأنا أتحسس أثره في كل ركن، وأشعر بهيبة روحه تحرسنا خلف كل باب. إليك يا من كنتَ غائباً بجسدك، حاضراً كـ "سندٍ" خفيٍّ لا يميل.
إلى أمي.. صمام أماننا، ومصدر قوتنا، التي علمتنا كيف نرى روح أبي في البيت، وكيف نلمس حنانه في دعواتها.
أهدي إليكما هذا العمل.. لتعرفا أن "البذرة" التي زرعتموها في عتمة اليتم، قد أزهرت اليوم كلماتٍ ووفاءً.
وأن "البيوت لا تحميها الجدران وحدها، بل تسكنها الأرواح التي لا تعرف الانكسار، والمكتبات التي تحفظ عهد الغائبين."
ألبوم الذكريات (وصية الأرواح)
قصة قصيرة
بقلمي ✒️
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي
مصر
يحمل حقيبته وعينه تبللها الدموع. رحلته كل عام إلى المجهول؛ يضع يده على كتف أخيه، يوصيه بالحلم والصبر والقوة. كان يغادر ليصنع مستقبلاً يليق بعائلته، ممزقاً بين كدح العمل لتحسين وضعهم المادي، وبين شغف الدراسة الذي سافر من أجله ليكون منارة لإخوته.
ولكن هذه المرة، قبل أن يصعد سلم الطائرة، التفت الأخ الأكبر ووضع في يد الصغير "مفتاحاً عتيقاً" معلقاً في سلسلة بسيطة، وهمس في أذنه بنبرة غامضة: "هذا مفتاح سرنا القديم.. في ركن المكتبة العتيقة، داخل الدولاب الخشبي، ستجد ظرفاً مغلقاً. لا تفتحه يا بطل إلا إذا شعرت أن الأرض ضاقت بك، أو حدث ما لم يكن في الحسبان".
غاب الأخ، وبقي الصغير يرقب تلك المكتبة؛ الإرث العائلي الذي تفوح منه رائحة خشب الأبنوس المعتّق ووقار الأجيال. كانت المكتبة تبدو كحارس صامت للبيت، تضم بين رفوفها حكمة الأجداد وضحكات الراحلين، بينما المفتاح يطوق عنقه كأنه عهدٌ مقدس.
وفجأة.. اهتزت الجدران.
استيقظ الصغير على صرخات أمه وأخته: "زلزال!". في تلك اللحظة الحرجة، ساد ظلام دامس إلا من ضوء القمر الشاحب الذي تسلل عبر الشقوق. اقتحمت الجارة البيت وهي تصرخ بهلع: "تركتُ الفول السوداني بالفرن.. النار ستأكل البيت! والباب انحشر.. ماذا نفعل؟".
وسط غبار الجدران المتساقط واهتزاز الأرض، لم يهرع الصغير للخارج، بل اندفع نحو المكتبة العتيقة. كانت يده ترتجف وهي تضع المفتاح في قفل الدولاب الخشبي الذي تأبى ضلفتاه الفتح بسهولة. ومع صرير الخشب وتصاعد رائحة "الشياط"، سحب الصغير الظرف الموعود من بين ألبوم الذكريات والبراويز المحطمة.
فتحه بقلبٍ يخفق أسرع من الهزات الارتدادية، ليقرأ كلمات أخيه التي كانت بمثابة "النور" البديل للظلام: "أنا معكم بروحي، والقوة تسكن في قلوبكم لا في غيابي".
سرت في جسده سكينة عجيبة، فضحك بهستيريا ليطمئنهم: "أنا هنا معكم، هل نسيتموني؟ لما يرجع أخي، هتقولوا له إيه؟ راح بالوباء زي "هنادي" ولا إيه؟".
تبسمت الأم والأخت والجارة رغم مرارة الألم والخوف، ومع هدوء الهزات وتسلل أول خيوط الفجر، اندفعوا جميعاً نحو المطبخ بقلوب وجلة، ليجدوا معجزة صغيرة بانتظارهم؛ فقد تسبب اهتزاز الجدران في سقوط رفٍ علويٍّ قديم، ارتمى بدقة فوق فتحات الفرن فكتم حرارته، بينما غطى غبار الجبس الكثيف المتساقط الصواني ليعزلها عن لظى النار المباشر.
أخرجوا صواني الفول السوداني التي نضجت بحرارة الخوف لا بحرارة النار، واجتمعوا لإعداد "إفطار النجاة" معاً؛ حيث تشاركت العائلة مع جارتهم حبات الفول المحمصة مع الشاي، محتفلين ببزوغ شمس يوم جديد كُتبت لهم فيه حياة ثانية.
وعندما أشرقت الشمس تماماً، لم تكن المكتبة القديمة قد تحركت من مكانها شبرًا واحدًا، وكأنها كانت تمسك بجدران البيت من الداخل، تماماً كما أمسكت كلمات الأخ بقلوبهم من الشتات.
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق