مرافئ الضوء.. قصة قصيرة.. بقلمى✒️...........أحمد مصطفى الهلالي.... مصر
مرافئ الضوء
قصة قصيرةبقلمى
أحمد مصطفى الهلالي
**********
كان المطر ينقر زجاج المقهى القديم بإيقاع رتيب، تماماً كأيام أحمد التي تشابهت حتى باتت بلا طعم. جلس في ركنه المعتاد، يراقب المارة خلف الضباب كأشباحٍ تجوب شوارع الحياة؛ وحيداً يسكنه صمتٌ مطبق، وقلبٌ لم يعد يذكر آخر مرة خفق فيها لنبضٍ حقيقي.
في تلك اللحظة، دُفع باب المقهى بقوة، ودخلت سيدة تلملم معطفها المبتل وتنفض عن كاهلها حزن الطريق. جالت بعينيها في أركان المكان المزدحم، ولم تجد مقعداً شاغراً سوى ذاك الذي يقابل "أحمد". اقتربت منه وبأدبٍ جمّ استأذنته:
— "عذراً.. هل المقعد شاغر؟"
أجابها بابتسامة خفيفة، محاولاً استعادة وقاره:
— "تفضلي.. المكان يتسع للغرباء دائماً."
جلست وطلبت قهوتها، وساد صمتٌ قصير لم يقطعه سوى بخار القهوة المتصاعد بينهما. بدآ يتبادلان كلمات عابرة عن المطر، وبرد الشتاء، وصعوبة التنقل. ومع ارتشاف القهوة، بدأ الجليد يذوب، والحديث ينساب بتلقائية كأي شخصين يلتقيان للمرة الأولى.
سألها عن وجهتها، فتنهدت بعمق وقالت:
— "في الحقيقة.. كنتُ في ندوة ثقافية قريبة من هنا، غادرتها حين شعرتُ بضجيج الكلمات يملأ رأسي، فأتيتُ إلى هنا بحثاً عن هدوء يرمم بعثرة روحي مع فنجان قهوة.. ثم أمضي."
صمتت قليلاً، ثم تابعت:
— "لكن، ربما لم يكن مجرد فنجان قهوة ما دفعني للدخول، بل كان بحثاً عن إجابة لسؤالٍ ما.. سؤالٍ طالما أرّق قصائدي."
رفع رأسه، وقد مسّ كلامها وتراً في قلبه الأدبي، فأجابها بنبرةٍ هادئة:
— "لكِ ما تشائين من الأسئلة.. فالكُتّاب يا سيدتي لا يمنحوننا إلا التيه، بينما الأسئلة هي أوطاننا الوحيدة."
حينها، أفصحت عما يؤرقها بنبرةٍ خفيضة، وكأنها تلقي بآخر أبيات شجنها:
— "ليلي طويل يا سيدي.. وأنا أخاف الليل وأشباح الطريق. وكما تراني.. بلا رفيق، أحمل أحلامي في حقيبة مثقوبة، وأخشى أن يدركني العمر قبل أن أصل."
ثم شردت عيناها في بخار القهوة واستطردت:
— "لا أزال أحلم بالفجر البعيد.. ذاك الذي أكتب عنه دائماً؛ وهناك سوف أبني مخدعين، لأسكن إليهما مع من أريد.. مع من يشبه روحي."
صمت المكان للحظات، قبل أن تلتفت إليه وتسأل بسؤالٍ اخترق عزلته:
— "وأنت.. أيها الغريب المسكون بالصمت، أين ستمضي؟"
شعر أحمد حينها بشيءٍ يتحرك في داخله، كأن كلماتها كانت المفتاح لصدأ قفله القديم. نظر إليها وقال بصوتٍ خرج من أعماق روحه:
— "أنا شريدٌ مثلكِ، في انتظار.. في انتظار شيءٍ يعيد لي أضواء النهار التي فقدتُها في زحام الأيام."
في تلك اللحظة، امتدت يده نحوها فوق الطاولة في حركةٍ عبرت عن حاجةٍ فطرية للسكينة. صرخ فيه صوتٌ داخليّ: (إياكِ أن تترك يديها.. إياك أن تظهر مشاعرك لسواها!)
أمسك بيديها المرتجفتين من برد الخارج، ونظر في عينيها الغريبتين اللتين صارتا فجأة أكثر ألفة من كل وجوهه القديمة، وقال لها منهياً عذابات الشتات:
— "أما آن للشريد أن يجد في دروبكِ مستقراً؟ لقد أرهقني حلمٌ ظننته سراباً في قصص الخيال، لكني الآن أجد في حضوركِ الضوء الذي لمحتُه يوماً من بعيد..لقد أجهدني حلمٌ مستحيل، لكني الآن.. وأنا أراكِ.. أرى فجراً بدأ يستنير وها هو اليوم يشرق بين يديّ."
*****
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق