عِنادُ الضَّوءِ الخافِت ((مِيثاقُ البقاء) )................. قصة قصيرة.. بقلمى ✒.. ️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي
عِنادُ الضَّوءِ الخافِت (اكتمال الرؤية)
قصة قصيرة
بقلمى ✒️
**********
تستيقظ العزلة في غرفتها قبل أن تستيقظ هي؛ تتحسس الزوايا وتستقر فوق الوسائد بانتظار يقظتها. وحين تفتح عينيها، لا تهرع نحو المرآة؛ فالمرآة بالنسبة لها ليست مجرد زجاج يتفقد الملامح، بل ذاكرة وفية تلمع بظل شعرها المرفوع على عجل. تلك الفوضى العفوية التي تبدو عليها تليق بها أكثر من أي ترتيب متكلف، وكأن الخصلات المتمردة هي لغتها الخاصة مع الصباح.
في الزاوية، كانت المرآة القديمة المشروخة تراقبها بصمت، وكأنها شريكة في السر. لم تفكر يوماً في استبدالها، فالكمال بالنسبة لها قيدٌ ثقيل، وهذا الشق الذي ينصف الزجاج هو الطريق الوحيد الذي تعبر منه الحكايات غير المكتملة. همست للمرآة وهي تلمس خصلة متمردة: "دعينا هكذا، الترتيب يقتل الصدق".
قبل أن تمسك كوبها الأول، تتجه مباشرة نحو النافذة. تفتحها بحذر، كأنها تخشى أن يهرب العالم من مكانه في غفلة منها. تقف هناك طويلاً، تستنشق الهواء بعمق؛ تريد أن تتأكد أن "الخارج" ما زال ثابتاً، وأن النسيم لم ينسَ رائحتها بعد.
في المطبخ، يتحول الروتين اليومي إلى إيقاع رتيب مشبع بالمعاني. تُعد غداءها البسيط، ويتردد صدى ملعقتها وهي تتحرك في الطبق: نقرة خفيفة.. ثم صمت طويل. ذلك الصمت لم يكن فراغاً، بل كان "مائدة ثالثة" تجلس عليها مع أختها.
نظرت إليها أختها طويلاً، ثم كسرت سكون المكان بكلمة عابرة مشحونة بقلق العالم الخارجي:
"هل نمتِ جيداً؟ العالم في الخارج يتسارع يا أختي، الشوارع ممتلئة، والفرص تضيع.. إلى متى هذا البقاء خلف النافذة؟"
لم تكن الإجابة بحاجة لفيض من الشرح، بل اكتفت بهزة رأس خفيفة وابتسامة باهتة، وقالت بصوت خفيض كأنه وشوشة:
"أنتِ تركضين لتصلي، وأنا أجلس لأجدني. العالم الذي تتحدثين عنه يسرق الوجوه، وعزلتي تعيد لي ملامحي. لا تقلقي.. أنا لست غائبة، أنا فقط موجودة في مكان لا يحتاج إلى ضجيج ليثبت وجوده."
كانت تلك الكلمات القليلة كافية لترميم تصدعات الروح؛ فبينهما فهمٌ فطري قديم لا يحتاج لشرح الحزن أو تبرير التعب. وحين يسدل الليل ستائره، تبدأ معركتها الحقيقية مع الورق. هي لا تكتب لتؤلف قصصاً، بل لأن القلق بداخلها صار ثقيلاً لدرجة الاختناق. الكتابة هي طريقتها الوحيدة لـ "تفريغ" شحنة القلب؛ فالورق هو الصدر الذي يقبل أن يحمل عنها الأثقال دون تذمر، والكلمات هي الشهيق الذي ينجيها من الغرق.
تترك ضوءاً خافتاً بجانب سريرها. ليس خوفاً من الظلام، بل هو "عناد صغير" ضد العتمة؛ إعلان صامت بأنها لن تسلم نفسها كلياً لليأس. تنام وفي مخيلتها سؤال مفتوح يراود سكون الليل: "ماذا يخبئ الغد؟"
ومع أول خيط للجرأة في شمس الصباح التالي، خرجت حافية القدمين إلى شرفتها مرة أخرى. لمست الأرض بجلدها لتستشعر الواقع، واختبرت بامتنان أن الحلم –رغم سطوته– لم يسرقها كلياً من نفسها بعد. نظرت إلى الأسفل، لتجد أن الغد لم يكن "لاشيء" كما خُيّل إليها؛ بل كانت هناك زهرة برية نبتت فجأة بين شقوق الحجر القديم، وكأنها رسالة اعتذار من العالم.
انحنت نحو الزهرة، تلمست بتلاتها الرقيقة بمرشة ماء صغيرة، وهمست لها: "أنتِ مثلي تماماً، اخترتِ أصعب الأماكن لتزدهري". في تلك اللحظة، أدركت أن الفوضى في شعرها لم تعد تشبه القلق.. بل أصبحت الآن تشبه الحرية، وأن هذا "العناد الصغير" هو الذي جعل الحياة ممكنة من قلب الصخر.
*****
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق