قوت القلوب.. قصة قصيرة...... بقلمي✒️أحمـــــد مصطفى الهلالي.. مصر

قوت القلوب.. 
قصة قصيرة
بقلمي✒️
أحمـــــد مصطفى الهلالي 
مصر
**********
​أبو المها.. حكاية "سمارة" وأم أبيها
​في أزقة الميناء التي تفوح برائحة اليود، لم يكن البحر ينادي "سعيد" إلا بلقبه الذي صار علماً على الصبر: "سمارة". كان الشيخ الذي قرأ تفاصيل الموج قبل أن يولد، والرجل الذي رسمت تجاعيد وجهه خريطة كاملة للأعماق. لم يكن بيته مجرد جدران، بل سفينة راسية يقودها بحب؛ "عمرو" بصلابة الريح، و"محمد" بطموح المدى، و"دعاء" بضحكة تكسر ملوحة الأيام.
​لكن "مها" كانت الروح التي تسري في صمت، الابنة التي نذرت عمرها لترد لـ "سمارة" ديون السنين، فاستحقت لقب "أم أبيها". في غبش الفجر، كانت أناملها تجهز ثياب الصيد، تنثر فيها عبق البخور لتغالب رائحة السمك العالقة، وتهمس بوجل: "عُد لي يا سندي، فالبحر غدار وقلبي لا يحتمل اليتم مرتين". كانت هي من تروض خشونة قدميه بالماء الدافئ، وتقرأ التعب في عينيه قبل أن يترجمه اللسان.
​وفي ليلة شاتية، هبّت عاصفة سوداء ارتجفت لها صواري المراكب. كان "سمارة" على فراشه يصارع أمواجاً من نوع آخر؛ أمواج الوهن ودنو الرحيل. اجتمع الأبناء بوجوه شاحبة، لكن مها وحدها كانت تحتضن يده الخشنة، وكأنها تضخ من نبضها حياة في عروقه الذاوية. نظر إليها، وبابتسامة شفافة قال: "يا مها.. رميتُ شباكي سبعين عاماً، فما خرجتُ بصيدٍ أثمن منكِ.. أنتِ الميناء الذي طاب لي فيه المقام".
​ومع بزوغ الفجر، وبينما كان الموج يرتطم بالشاطئ في وداع مهيب، أسلم "سمارة" الروح وهامته تستند إلى كتف "أم أبيها". لم يرحل في صمت، بل ترك أسطورة ترويها المدينة عن رجل مات وهو يشم رائحة الوفاء في كف ابنته، وعن ابنة حوّلت برّها إلى شراع لا يمزقه الموت.
*****
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي