​نبضٌ من شارع كانوب... ​قصة قصيرة........ بقلمي✒️ أحمد مصطفى الهلالي

​نبضٌ من شارع كانوب
​قصة قصيرة
بقلمي✒️
 أحمد مصطفى الهلالي
مصر
**********
​لم تكن سمرة زكريا التي صبغتها شمس الإسكندرية مجرد لون بشرة، بل كانت "وشماً" لرجل يحمل في جيناته صلابة الموج وجدعنة أهل كامب شيزار. من قلب شارع كانوب، نشأ كابن أوسط عرف معنى المسؤولية قبل أوانها؛ فكان السند والعضد لإخوته (رضا،سعادة، هدى، سهير، سامي، وحودة). في مقتبل شبابه، احترف مهنة "السباكة" بكل أمانة وإخلاص، وحين كان ينهي عمله المنهك ويعود للمنزل، لم يكن يعود خالي الوفاض أبداً، بل كان يحمل معه "الخير والبركة" من حلقة السمك؛ جندوفلي، وحبار، وبوري، وبياض، ومرجان.. كل ما لذ وطاب، لتجتمع العائلة على مائدة تملأها المحبة قبل الطعام.
​كانت بيوت شارع كانوب عامرة بالود، تلاشت فيها الحدود بين الجيران؛ فكانت جارتهم اليونانية "أم ميمي"، التي تزوجت وعاشت في مصر في الشقة المقابلة لعائلته، فرداً من الأسرة. كانت علاقة الحب المتبادل بين أبناء العائلتين (ميمي ومجدي وإخوتهم) نموذجاً للتعايش والصفاء، أياماً مرت كالحلم، مليئة بالضحكات والذكريات التي لا تصدأ.
​كان زكريا "حريف" بحر من طراز فريد؛ يعشق كبينة الشاطبي وكأنها بيته الأول. هناك، رفقة صديق عمره ورفيق صباه "مجدي السبلا" وباقي الصحبة، كانت تُنسج أجمل الحكايات. يجلسون أمام الكبينة بعد رحلات صيد مجهدة، يجهزون الأسماك وسط نوبات من السمر. وحتى حين تتبدل الفصول، كان زكريا يجد أنسه في "المطر"؛ فيخرج للتجول تحت زخاته، وكأنه يغسل روحه بقطرات السماء.
​حمل زكريا أحلامه وسافر إلى هولندا، وهناك رزقه الله بزوجته الوفية "ميراندا". ورغم البعد، ظل قلبه معلقاً بـ "قليوب" موطن والدته الغالية، فكانت أولى رحلاته مع زوجته إلى هناك ليُريها جذوره ويصور لها أبناء خاله "أحمد ومحمد" في بنها. وعندما رُزق بابنته "سلمى"، أحضرها لمصر وهي بعمر الخمس سنوات، وظل يكرر الزيارة ليربطها بدفء العائلة الذي نشأ عليه.
​في بيته بهولندا، صنع زكريا عالمه؛ حديقة غناء يزرع فيها الطماطم، والفلفل، والباذنجان. كان يستمتع بتعليم "ميراندا" أصول الزراعة المصرية، وحين يحين الحصاد، يتباهى بثمار يده في مكالمات "الواتس آب" التي تمتد لساعات مع أهله في مصر. ورغم إرهاق العمل، كان وفاء زكريا يسبق تعبه؛ فيطمئن يومياً على أهل زوجته، ثم ينسحب إلى "ركن الذكريات" في منزله، حيث صور والديه المحاطة بإطار من الزهور المحفورة، ليجلس هناك يتحدث لساعات مع المقربين لقلبه، مسترجعاً معهم نبض شارع كانوب.
​وفي مفارقة تدمع لها القلوب، وبينما كان يمارس رياضته المحببة في "السباحة" ويتحدى المحترفين بلياقته المعهودة، توقف قلبه الكبير إثر أزمة مفاجئة وهو في حضن الموج. لم يرحل غريباً، بل عاد ليرتاح في حضن المعشوق الذي لم يخذله يوماً، وكأن البحر أبى إلا أن يضمه ضمة أخيرة. رحل زكريا، وبقي أثره الجميل حياً في حديقته، وفي ملامح ابنته سلمى، وفي كل دقة قلب أخلصت لشارع كانوب وأهله.

*****
أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي