الأدهم والشيهانة(حِوَارٌ بَيْنَ الرُّوحِ وَالأَصِيلِ)...... قصة قصيرة بقلمى✒️..... أحْمَد مُصْطَفَى الْهِلَالِي..... (جمهورية مصر العربية)
الأدهم والشيهانة
(حِوَارٌ بَيْنَ الرُّوحِ وَالأَصِيلِ)
قصة قصيرة
بقلمى✒️
أحْمَد مُصْطَفَى الهِلَالِي
(جمهورية مصر العربية)
**********
كَانَ الشَّاطِئُ مَهْجُورًا، إلَّا مِن أَمْوَاجِ البَحْرِ الَّتِي تَتَلاطَمُ بِعُنْفٍ، وتُلْقِي بِزَبَدِهَا عَلَى الرِّمَالِ الذَّهَبِيَّةِ. وقَفَتْ هُنَاكَ مَرْأَةٌ مُلْتَحِفَةٌ بِالسَّوَادِ، كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فِي رَحِمِ النَّهَارِ، لا يَبُوحُ البَحْرُ بِأَسْرَارِهِ لَهَا، بَلْ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَبُوحُ لَهُ بِكُلِّ شَجَنِ الكَوْنِ، سَوَادُ رِدَائِهَا لا يُخْفِي حُزْنَهَا، بَلْ يُبْرِزُهُ، كَمَا يُبْرِزُ الظَّلامُ نُورَ النُّجُومِ.
قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ النَّهَارُ، وَأَنْ تَلُفَّ الدُّنْيَا جَنَاحَ اللَّيْلِ، قَرَّرَتْ أَنْ تُعْطِيَ الجَوَادَ لَحْظَةَ بَوْحٍ، وتُخْبِرَهُ عَن أَلَمِ الفِرَاقِ، وحَنِينِ اللَّقَاءِ، وعَن كُلِّ مَا يَجُولُ فِي خَاطِرِهَا مِن هُمُومٍ وَمَشَاعِرَ. مَدَّتْ يَدَهَا وتَحَسَّسَتْ نَاصِيَتَهُ بِرِفْقٍ، فَيَهْدَأُ كِلَاهُمَا فِي لَحْظَةِ صَمْتٍ هِيَ أَبْلَغُ مِنْ كُلِّ خِطَابٍ.
وهَمَسَتْ لَهُ بِأَحْزَانِهَا، فَيُجِيبُهَا بِصَهِيلٍ خَفِيٍّ لا يَسْمَعُهُ غَيْرُ أَمْوَاجِ البَحْرِ الهَادِئَةِ. نَظَرَتْ إلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ تَخْتَصِرَانِ أَلْفَ حِكايةٍ، عَبَرَتِ المَوْجَ والزَّمَانَ، وأَخْبَرَتْهُ عَن حُبِّهَا الأزَلِيِّ لَهُ، وعَن تَعَلُّقِهَا بِهِ، الَّذِي لا يَنْتَهِي إلَّا بِانْتِهَاءِ الحَيَاةِ؛ بِأَنَّ السِّرَّ فِينَا اسْتَقَرَّ، وَكَأَنَّ القُلُوبَ مَرَايَا.
وَعِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ الرَّحِيلِ، وَتَعَالَى النِّدَاءُ، فَقَدْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّقَاءَ قَرِيبٌ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَانُ، فَلا شَيْءَ يَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِ مَنْ يَحْمِلُ الأَصَالَةَ وَيَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ، كَمَا أَنَّ الأَدْهَمَ لَنْ يَنْسَى "الشِّيهَانَةَ"، الَّتِي كَانَتْ لَهُ المِرْآةَ الصَّادِقَةَ لِرُوحِهِ.
وَمَعَ آخِرِ زَفْرَةٍ لِلشَّمْسِ، تَمْتَزِجُ خُطُوَاتُ المَرْأَةِ بِأَثَرِ حَوَافِرِ الأَدْهَمِ عَلَى رِمَالِ الشَّاطِئِ المَبْلُولَةِ. لَقَدْ تَرَكَا خَلْفَهُمَا حِكَايَةً عَمِيقَةً مَخْطُوطَةً بِصَمْتِهِمَا الأَنِيقِ. وَالبَحْرُ، الشَّاهِدُ الأَزَلِيُّ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ خَلْفِيَّةٍ، بَلْ صَارَ تُرْجُمَانًا لِمَا تُكِنُّهُ النُّفُوسُ.
لَمْ تَكُنْ "الشِّيهَانَةُ" تَعْلَمُ أَنَّ الرَّحِيلَ عَنِ الأَدْهَمِ يَحْتَاجُ قَلْبًا غَيْرَ قَلْبِهَا. خَطَتْ خُطُوَاتِهَا نَحْوَ المَجْهُولِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا بَقِيَتَا مُعَلَّقَتَيْنِ بِذَلِكَ الشَّامِخِ الوَاقِفِ عَلَى حُدُودِ المَاءِ.
أَمَّا هُوَ، فَقَدْ ضَرَبَ الرَّمْلَ بِحَافِرِهِ كَأَنَّهُ يَحْتَجُّ عَلَى قَوَانِينِ المَسَافَاتِ، وَأَطْلَقَ صَهِيلاً مَزَّقَ سُكُونَ المَسَاءِ؛ صَهِيلاً لَمْ يَكُنْ نِدَاءً لِلْعَوْدَةِ، بَلْ كَانَ قَسَمًا بِأَوْرِدَةِ الخَيْلِ أَنَّ الأَرْوَاحَ الَّتِي تَعَانَقَتْ يَوْمًا.. لا تَفْصِلُهَا الدُّرُوبُ.
تَرَكَتْ لَنَا تِلْكَ اللَّحَظَاتُ أَلْفَ سُؤَالٍ حَوْلَ مَا بَاحَتْ بِهِ الرُّوحُ لِلأَصِيلِ، وَمَا زَالَتِ الأَمْوَاجُ تَرْوِي الحِكَايَةَ.
*****
أحمد مصطفى الهلالي
تعليقات
إرسال تعليق