سَمْرَاء.. (قصة قصيرة) بقلمي ✒️: أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
سَمْرَاء
قصة قصيرة
بقلمي ✒️: أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
سمراء.. غزالة الواحة
في واحة "عين الشمس" المنسية في قلب الصحراء المترامية، حيث يتحدى النخيل الهجير ليصنع ظلالاً من الأمل، ولدت "سمراء". لم تكن مجرد فتاة، بل كانت نبض الواحة الساكن؛ صقلتها الرمال ومنحتها مرونة الغزال، فبدت في مشيتها خفة تحاكي الريح، بجدائل ليلية تنساب كشلال حبر على ثوبها البدوي، وعينين عسليتين تعكسان سحر الشروق.
نشأت سمراء بين سبعة أشقاء أشداء، يرون فيها ربيع أيامهم. كان أكبرهم "جسّار"، الضابط الصارم في حرس الحدود، يمثل لها الأمان المطلق؛ يرى في عينيها نقاء الصحراء الذي يحرسه، فكانت علاقتهما مزيجاً من الهيبة والحنان. لم يتوقف حبها عند حدود بيتها، بل كانت "تميمة الحظ" لكل من عرفها في السوق العتيق، تجبر الخواطر بابتسامة، وتعرف الجيران بأسمائهم وأوجاعهم.
في إحدى الأصائل، وبينما كانت تقود قطيعها نحو المنبع، التقت بـ "مروان"، مهندس شاب جاء ليحفر آبار الحياة للواحة. هبت نسمة ريح بعثرت أوراقه، فركضت تجمعها بخفة، وبينما تنحني، انزلق من رقبتها عقد عتيق -إرث جدتها- ليستقر بين الرمال. انحنى مروان ليلتقطه، والتقت نظراتهما؛ هناك، في تلك اللحظة، حُفر أثر لم تمحه رياح الخماسين.
تحول المنبع إلى محراب لحوارات الروح؛ هو يحدثها عن صخب المدينة وعلومها، وهي تعلّمه كيف يقرأ أثر الأقدام ويستمع لعزف الريح. وجد فيها ذكاءً فطرياً يتجاوز شهاداته، ووجدت فيه أفقاً يتسع لأحلامها. لكنها كانت تدرك قسوة الواقع، فأخبرته ذات غروب بمرارة عن "العرف الجائر" الذي يجعلها ملكاً لابن عمها بعهد قديم. طمأنها مروان بيقين الصخر: "لن تذبل زهرة في حمايتي، سأطرق بابك من كبرياء الصحراء نفسها".
لم يكد مروان ينهي طلبه في مجلس القبيلة حتى خيم صمت ثقيل. انتفض عمها الأكبر رافضاً: "ابنة الواحة لابن عمها، وعهد الدم لا يقطعه إلا الموت". كان ابن العم "شدّاد" يرمق مروان بغلٍ، متوعداً من يطمع في غزالته. أُغلق الباب، وصدر القرار الجائر بحبس سمراء.
سقطت سمراء كوردة ضربتها السموم؛ انطفأ بريق عينيها واعتزلت الحياة حتى شحب وجهها وتملكتها الحمى. في غياب جسّار، شعر الجميع أن الموت يزحف نحو قلب الواحة، حتى أرسلت الأم نداءها الأخير لولدها: "أدرك أختك يا بني، فإنها ترحل منا".
عاد جسّار كالعاصفة، وما إن رأى شقيقته ممددة تذبل، حتى اعتصر قلبه الألم. قبل جبينها واعداً إياها بيقين الفرسان: "لا صوت اليوم يعلو فوق حقك في الحياة". اقتحم مجلس القبيلة بهيبته العسكرية، وصرخ فيهم: "أصار القتل باسم العرف حلالاً؟ الرجولة تُصان بحفظ الكرامة لا بقهْر البنات!". وحين حاول شدّاد التطاول، ألزمه جسّار مكانه بنظرة حادة، مؤكداً أن الحق يُؤخذ بالرضا.
التفت جسّار لوالده، وناشد فيه الأب لا شيخ القبيلة، موضحاً أن مروان رجل شريف جاء ليعطي الواحة الحياة، وهو -جسّار- الضامن لهذا الزواج. أمام دمعة ابنه وقوة حُجته، أدرك الأب أن الحب أقوى من الجبروت، فأومأ موافقاً، وسحب سيف القبيلة وضعه في يد جسّار؛ إشارةً لانتصار العدل.
زُفت سمراء لمروان في عرسٍ لم تشهده الواحة، لكن خلف الكثبان، كان شدّاد يغلي حنقاً. وفي لحظة الصفر، صوب بندقيته نحو صدر العريس، إلا أن "الحارس الأمين" كان أسرع؛ انقض جسّار عليه كالنمر، وأطاح بالسلاح قبل أن تنطق الرصاصة بالغدر. وقف جسّار شامخاً، وجذب شدّاد من ياقته أمام الجميع: "البدوي لا يغدر، والحب لا يُؤخذ قسراً".
مرت خمس سنوات، لم تكن سمراء فيها مجرد زوجة، بل أصبحت -بدعم مروان- أول طبيبة في واحتها، تداوي القلوب والأجساد بالعلم والأعشاب. وفي كل عام، مع نضوج أول قطف من التمر، تُرسل سمراء أجود ما عندها لشقيقها جسّار، مع رسالة محفورة بماء الذهب: "إلى من شق لي طريق الحياة.. شكراً لأنك علمتني أن الحق لا ينحني"..
تعليقات
إرسال تعليق