شفرة الملح​ (فيروز)..... قصة قصيرة..... بقلمى✒️ أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

​شفرة الملح

​(فيروز)

​قصة قصيرة
 بقلمى✒️ 
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

​لم يكن الوجع الذي يسكن جسد "النوخذة جاسم" مجرد حمى عابرة، بل كان وجع المجاديف التي سكنت، والأشرعة التي طواها الانكسار. كانت "فيروز" ترقبه بصمتٍ يشبه سكون ما قبل العاصفة، وتستذكر في عتمة البيت تلك الأيام الخوالي التي شكلت وجدانها.

​كانت طفولتها معجونةً بحكايا البحر التي يرويها لها جاسم تحت أنظار والدتها، التي كانت تراقب في صمتٍ تلك الرابطة التي تنمو بين ابنتها واليم. تتذكر كيف كان يحملها فوق أكتافه، شامخةً كصاري، ليطوف بها على الشاطئ وهو يقلد زئير الموج، وكأنها قطعة من ذلك الأفق اللانهائي. وحين ترسو سفينته، كان يأخذ بيدها الصغيرة، يضعها فوق الدفة، ويجعلها "ربان" السفينة المتوقفة، بينما يقف هو خلفها متطلعاً للأفق، يهمس في أذنها بكلماتٍ صارت ميثاقاً: "البحر يا ابنتي لا يُواجه بالعضلات، بل بالبصيرة.. لا تحاربي الموج بل كوني موجة، لكي يمنحكِ سدوده." تلك الأصائل لم تكن مجرد لعبٍ بين أب وابنته، بل كانت غراساً لروحٍ ستعرف يوماً كيف تفك شفرة الخشب والملح.

​ذات فجرٍ غسله الرذاذ، حين كان المرفأ يتثاءب تحت وطأة السحب، انسلّت فيروز من حزن البيت. محت من ذاكرتها وصايا الجدات عن "حرمة البحر على النساء"، وارتدت معطف والدها القديم الذي ما زال يعبق برائحة التبغ واليود. مضت نحو "السمبوق" الراسي كيتيمٍ على الضفة، وفي أذنيها يتردد صدى صوت أبيها وهو يعلمها كيف تروض الريح وتسكّن روع الشراع.

​كانت الخطوة الأولى على خشب السفينة زلزالاً هزّ كيانها. الرجال في الميناء بوجوههم المحفورة كالأخاديد حدقوا بذهول، لكن فيروز لم ترَ إلا وجه أبيها الشاحب وهو يصارع العدم. رفعت الشراع بيدين غضتين، لكنهما مسكونتان بدم جاسم، وانطلقت نحو "الخور العميق"، حيث لا يجرؤ إلا العارفون على كشف الأسرار.

​في عرض اليم، كان الصراع طاحناً. الأمواج تعلو كجبالٍ من فيروز، والريح تعوي كذئبٍ جريح. تصبب عرقها ممزوجاً بماء البحر، وتدمت أصابعها وهي تشد الحبال وتصارع الشباك الثقيلة. كان الملح يحرش جلدها، بينما الدموع المحبوسة في مآقيها تمنحها بصيرةً تفوق خبرة الرجال. لم تكن تشعر أنها تقاتل البحر، بل كانت تشعر أنها "تتحدث" لغته؛ تنحني حين يغضب، وتتقدم حين يهدأ، وكأنها تماهت مع الموجة حتى أصبحت هي الشفرة التي تفتح أبواب الوجود الأزرق.

​عند الغروب، عادت السفينة تشق عباب الماء بوقار، وفيروز تقف عند الدفة كأنها الربان الذي لم يغادر موقعه يوماً. كانت السفينة محملةً بصيدٍ وفير، لم يكن مجرد رزقٍ مادي، بل كان استرداداً لهيبة غائبة وتمجيداً لاسم قبطانٍ كاد النسيان أن يطويه.

​دخلت الدار، وضعت ثمار تعبها أمام والدها ووالدتها. لم يكن جاسم بحاجةٍ للدواء بعد تلك اللحظة؛ فقد أشرقت روحه حين رأى أن "الربان الصغيرة" قد أصبحت هي الموجة والمدارة. قبّل جبينها وهو يهمس بصوتٍ استعاد جهورته:

— "الآن يا ابنتي، صار للبحر لسانٌ ينطق باسمي حتى وأنا في فراشي.. لقد أحييتِني قبل أن تُحيي الذكر."

​منذ ذلك اليوم، صار أهل الساحل يؤرخون للأشياء بـ "عام فيروز"؛ العام الذي أثبتت فيه ابنة النوخذة أن البحر ليس عدواً ولا حبيباً، بل هو "شفرة" تفتح مغاليقها فقط لمن يملك الجرأة ليكون جزءاً من أسرارها ويفهم لغة خلودها.
*****
​أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي