نَحلة الجبل وحارس الزهرة..... (قصة قصيرة ) بقلمى ✒️ أحمد مصطفى الهلالي............... جمهورية مصر العربية
نَحلة الجبل وحارس الزهرة
(قصة قصيرة )
بقلمى ✒️
أحمد مصطفى الهلالي
**********
في تلك القرية المعلقة على أكتاف الجبال، حيث تنبت أشجار الجوز الضخمة والعتيدة، ولدت "هندباء". لم يكن اسمها محض صدفة، بل كانت تشبه تلك الزهرة البرية التي تشق الصخر لتعلن عن وجودها. صقلتها الطبيعة الجبلية، فمنحتها جسداً ممشوقاً، وخصراً نحيلاً ينم عن خفةٍ وسرعة، وبدت في ثيابها القروية كغزالةٍ شردت من قطيعها؛ ينساب شعرها الذهبي كخيوط الشمس، وتلمع عيناها السوداوان كليالٍ جبليةٍ سحيقة.
كانت الجوهرة الوحيدة في منزلٍ يملؤه الرجال؛ فهي الابنة الوحيدة لستة أشقاء أشداء. وكان أكبرهم، ذلك الضابط الذي يشغل منصب مدير مركز في المدينة القريبة، بمثابة الأب الروحي لها. هو من غرس فيها الكبرياء، وكان يرى في عينيها نبل الجبل ونقاءه، فكانت علاقتهما مزيجاً من الهيبة العسكرية والحنان المطلق.
من خلف نافذة المدرسة العتيقة، كان المدرس الشاب القادم من ضجيج المدينة يراقبها بذهول. لم يكن إعجاباً عابراً، بل كان سحراً أخاذاً. رآها تتنقل بين الحقول كنحلة دؤوبة، تارةً تسابق الريح، وتارةً تنحني بمرونة لتجمع ثمار الجوز. مضت أسابيع وهو يدرس تفاصيل روحها من بعيد، حتى حانت اللحظة التي التقت فيها عيناهما عند سقوط ثمرة جوز ناضجة تدحرجت لتستقر عند قدميه. انحنى المدرس ليلتقطها، وقدمها إليها بابتسامة مرتبكة شابها الخجل. ومنذ تلك اللحظة، تحول بستان الجوز إلى "محرابٍ" للقاءاتهما شبه اليومية، وصار الشاهد الصامت على حوارات الروح.
في إحدى الأصائل، سألها المدرس وهو يراقب براعتها الفطرية: "ألا تتعبين يا هندباء؟ هذه الأشجار تبدو عنيدة جداً، وثمارها تتطلب جهداً لتُعطي سرها". نظرت إليه بعينين تفيضان حكمة فطرية، وأجابت وهي تمسح غبار الأرض عن ثوبها بوقار: "الجبل لا يحب الكسالى يا أستاذ.. شجرة الجوز مثلنا نحن أهل الجبل؛ لا تعطي خيرها إلا لمن يصبر على قسوة قشرتها. نحن نؤمن أن ما يأتي سهولةً، يرحل بسهولة". كان المدرس يحكي لها عن "مدينة الأسمنت" والكتب التي تملأ رفوفه، فقالت له بصدقٍ أدهشه: "أنت تقرأ الكتب لتفهم العالم، وأنا أقرأ وجوه الصخور وحركة الغيوم لأعرف متى ستمطر. ربما نختلف في الأدوات، لكننا نبحث عن الحقيقة نفسها".
رغم عمق الحوار، كانت هندباء صريحة؛ أخبرته بمرارة عن "قيد الجبل"، وعن العُرف الذي يجعل الفتاة ملكاً لبيت عمها قبل أن تولد. قالت له ذات غروب: "يا أستاذ، أنت تبحث عن زهرة في حقلٍ مُحاط بالأشواك، وعاداتنا لا ترحم الغريب". لكن الحب الذي ضرب جذوره في قلبه جعله يجيب بإصرار: "لن أقبل أن تذبلي في ظل العادات.. سأطرق بابكِ بكبرياء الجبل نفسه".
لم يكد المدرس ينهي طلبه الرسمي حتى خيّم صمتٌ ثقيل في مضافة العائلة. انتفض العم الأكبر، وقال بصوتٍ يقطر صرامة: "يا أستاذ، أنت ضيفنا، لكنك تطلب المستحيل. ابنة الجبل لابن عمها، وهذا عهدٌ لا يقطعه إلا الموت. كيف نكسر كلمةً قيلت قبل عشرين عاماً لنزوجها لغريبٍ لا نعرف عروقه؟". أما ابن العم، فقد كان يراقبه بعينين تشتعلان غلاً، وخرج وهو يتوعد بصوتٍ مسموع: "من يمد يده لثمرةٍ ليست له، ستُقطع ذراعه.. هندباء لي، والجبل يشهد".
تحول المنزل إلى ثكنة من الصمت الموحش. أُغلق الباب في وجه المدرس، وصدر القرار النهائي: "لا زواج إلا لابن العم، والحديث في هذا الأمر خيانة للدم". وقع الرفض على هندباء كصاعقةٍ ضربت شجرة جوزٍ شامخة. سكن الحزن في عينيها، وانطفأ بريقهما المعهود. هجرت الطعام واعتزلت الحقول، حتى بدأت الحمى تنهش جسدها النحيل، وأصبحت تذبل أمام أعين الجميع وكأن روحها تأبى العيش في جسدٍ سيُساق لبيتٍ لا يهواه قلبها. حينها، أرسلت الأم نداء استغاثة سرياً لابنها الضابط: "الحق أختك يا بني، فإنها ترحل منا".
توقفت سيارة الضابط أمام المنزل والغيوم تتراكم فوق القمم كأنها تنذر بعاصفة. اتجه مباشرة إلى غرفة شقيقته، فرأى "نحلته" ممددة كخيال باهت. جثا بجانبها، ففتحت عينيها بصعوبة وهمست: "أخي.. هل جئت لتأخذني إلى قبري أم لتنقذني منه؟". اعتصر قلبه ألماً، وقبّل يدها قائلاً: "جئتُ لأعيد للنحلة بستانها يا هندباء.. ارتاحي، فلا صوت يعلو فوق صوت حقك في الحياة".
دخل الضابط "المضافة" بوجهٍ عابس كالصخر. وقف أمام والده وأعمامه وقال دون مقدمات: "لقد رأيتُ هندباء الآن.. إنها تموت. فهل أصبح القتل بالعُرف حلالاً في شرعكم؟". ثار العم الأكبر محتجاً بـ "شرف العائلة"، فرد الضابط بصوتٍ جهوري هزّ الأركان: "كلمة الرجال تُصان حين تحفظ الكرامة، لا حين تُسحق بها الأرواح! انظروا إليها.. لقد انطفأ سواد عينيها. أين الرجولة في إجبار فتاةٍ على احتضارٍ بطيء؟". حاول ابن العم المقاطعة بغطرسة، فخطا الضابط نحوه بنظرةٍ حادة كالرصاص: "اخفض صوتك! الرجولة هي أن تجعل الفتاة تتمناك، لا أن تجرها إلى بيتك وهي جثة. حقها في الحياة أبدى من حقك في التملك".
التفت إلى والده وعيناه دامعتان: "يا أبي، العادات وُجدت لتحمينا لا لتقتلنا. المدرس رجلٌ شريف، وهي اختارته. أنا الضامن لهذا الزواج أمام الله وأمامكم". ساد صمتٌ رهيب. نظر الأب نحو غرفة ابنته، وتخيل ضحكتها التي انطفأت، فأدرك أن سلطة الحب أقوى من سلطة العُرف. أومأ برأسه وقال بصوتٍ متهدج: "ما دمتَ أنت الضامن يا بني.. فلتكن مشيئة الله وسعادة أختك هي الأولى". وفي حركة رمزية، وضع الأب مفتاح المضافة القديم في يد ابنه، إشارةً إلى انتقال السيادة للعقل والعدل.
دخل الأخ غرفة شقيقته ثانيةً، وانحنى يهمس في أذنها بالترياق: "تجهزي يا عروس الجبل.. هندباء ستزهر لمن اختاره قلبها، اليوم كسرنا القيد". لم تتكلم هندباء، بل نزلت دمعة صامتة وحيدة، وتشبثت برقبة أخيها وهي تجهش بالبكاء؛ بكاء غسل شحوب وجهها وأعاد النبض لعروقها. في غضون ساعة، كان الضابط يضع يده على كتف المدرس الشاحب في مدرسته قائلاً: "يا أستاذ.. استعد، فقد جئتُ أحمل لك مَهر الحب من قلب الجبل. لقد وافق والدي". لم يستوعب المدرس الخبر إلا حين ارتمى في أحضان الضابط باكياً من الفرح، ثم خرج يوزع الحلوى على الصغار بلهفة طفل، محيياً الجبل الذي أنصفه أخيراً.
حان يوم الزفاف، واكتست القرية حلةً ضوئية. كانت هندباء كأيقونة جمال؛ تألقت عيناها ببريق النصر تحت "الطرحة" البيضاء. وبينما كان العريس يتقدم نحوها، كان الأخ الضابط يقف في زاويةٍ كالعين الساهرة، فقد استشعر بحدسه الأمني أن جرح العُرف لن يندمل بسهولة. فجأة، خلف جذوع الجوز، استل ابن العم سلاحه وصوّب نحو صدر المدرس. لكن "حارس الزهرة" كان أسرع؛ انقض الضابط عليه كالنمر، لوى ذراعه بقوة حتى سقط المسدس، ثم طرحه أرضاً.
ساد الوجوم وتوقفت الموسيقى، فوقف الضابط شامخاً وقال بصوتٍ صارم: "كنتُ أظنك ابناً للجبل، والجبلي لا يغدر! اذهب من هنا.. فالجبل لا يتسع للغدر". أمر أشقاءه باقتياد الغادرين بعيداً، ثم التفت للعروسين بابتسامة هادئة: "أكمل فرحتك يا صهري.. الجبل في أمان". وفي تلك الليلة، لم تُطلق رصاصة غدر واحدة، بل كان الصمت المهيب هو التحية الأكبر لنصر الحب.
مرت خمس سنوات. لم تكتفِ هندباء بالاستقرار، بل تخرجت مهندسةً زراعية بدعم زوجها. طورت حقول الجوز بتقنيات حديثة، وافتتحت مركزاً لتعليم نساء القرية، مبرهنةً أن المرأة قادرة على حماية التقاليد وتطويرها معاً. أثمر الزواج عن طفلين؛ صبي يحمل شموخ خاله، وفتاة ورثت عيون أمها السوداء. وفي كل موسم قطاف، كانت هندباء تختار أجمل ثمرة جوز، وتغلفها لتهديها لأخيها الضابط مع بطاقة تقول: "إلى من كسر القشرة القاسية ليحمي اللب الطيب.. شكراً لأنك علمتني أن الجبل لا ينحني إلا للحق". كان الضابط يزورهم في كل موسم، يراقب بفخر تلك "النحلة" التي أصبحت ربيعاً دائماً يزهر في حقول الجوز والقلوب على حد سواء.
*****
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق