اغــــتــــراب/بقلم الشاعر/أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
اغــــتــــراب
**********
"لا بأس.. فبعضُ الخسارات هي في حقيقتها «خلاصٌ» لم نكن نملك الشجاعة لطلبه يوماً.
لطالما آمنتُ أنَّ أشدَّ أنواع الرحيل قسوة ليس ذاك الذي تضجُّ به المطارات وتغصُّ به المناديل، بل هو ذلك الذي يحدثُ في منتصفِ حديثٍ لم يكتمل، حين تدرك فجأةً أنَّ الشخص الذي أمامك لم يعد يراك، وأنَّ الكلمات التي تسكبها في أذنه ليست سوى ضجيجٍ يطرقُ باباً موصداً.
نحن لا نعتزل الناس لأننا كرهناهم، بل لأننا تعبنا من ترميم صورتنا في عيونٍ لا تبصر إلا عيوبنا. إنها الكرامةُ حين تتخذ شكل «صمتٍ» طويل، صمتٍ يشبه هدوء المقابر؛ حيث لا عتاب، لا لوم، ولا انتظار.
أدركتُ متأخراً أنَّ المسافات التي نقطعها للوصول إلى الآخرين يجب أن تُقطع بالخطوات، لا بالتنازلات. فمن أراد البقاء سيجد في ضيقِ الوقتِ اتساعاً، ومن أراد الرحيل سيصنع من أتفهِ الأسبابِ بلاداً من الجفاء.
وفي نهاية المطاف، نكتشفُ أنَّ الغربة الحقيقية ليست في البُعد عن الأوطان، بل في الوقوف على أطلالِ أنفسنا التي أضعناها في محاولة إرضاء من لا يرضون. سلامٌ على تلك الخسارات التي أعادتنا إلينا، وسلامٌ على المسافات التي علمتنا أنَّ العُزلة في رحابِ الكرامة، أبهى وأصدقُ من زحامٍ يملأه الزيف.
نحنُ لا نرحلُ لنبحثَ عن بديل، نحنُ نرحلُ لنستعيدَ ما تبقى منّا.
*****
أحمد مصطفى الهلالي
تعليقات
إرسال تعليق