حين تبكي النوارس.. (يونس)... بقلمى✒️ ... أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
حين تبكي النوارس
يونس
**********
في أعمق نقطة من جوف السفينة العملاقة، حيث يتصاعد بخار الديزل الخانق وتئنّ التروس تحت وطأة المسافات، كان المهندس يونس يقف ببدلته الزرقاء التي شربت زيت المحركات وملح الغربة. لم يكن يونس مجرد مهندس صيانة، بل كان العقل المدبر لذلك الوحش الحديدي الذي يمخر عباب بحر الشمال البارد، يفك شفرات الماكينات ويستبق أعطالها قبل حدوثها. وفي جيبه الصغير، كان يخبئ تميمته الأثيرة؛ جنيهًا فضيًا يحمل وجه الزعيم "جمال عبد الناصر"، أهدته إياه "ليلى" في آخر موعد لهما عند أسوار قلعة قايتباي. قالت له يومها ونسمات البحر تحمل رائحة اليود النفاذة التي يتنفسها السكندريون ليعرفوا هويتهم: "خذه يا يونس، وجه الزعيم عزة، ومعدن الفضة نقاء؛ فلا تسمح لبرد الغربة أن يطفئ سحر الإسكندرية في قلبك".
كان يونس يفرك العملة بأصابعه المتمرسة، فيشعر ببرودة الفضة تستحيل ناراً تذيب جبال الجليد التي أحاطت بروحه في المنافي. وفي ليلة عاصفة، تداخل فيها صرير المعدن بعويل الريح، حطّ نورس غريب ذو بقعة سوداء فوق نافذة غرفة المحركات، وأخذ ينقر الزجاج بإصرار جنائزي. تعثر يونس تحت وطأة اهتزازة عنيفة للسفينة، فانزلق الجنيه الفضي من يده ليستقر في شقّ ضيق داخل أدق تفاصيل المحرك الرئيسي. في تلك اللحظة، سكت الضجيج تماماً، وحلّ صمتٌ مهيب لم تكسره إلا صرخة النورس التي اخترقت جدران الفولاذ.
لم تكن رائحة الغرفة بعد ذلك تشبه رائحة المحركات، بل انبعثت من بين الشقوق رائحة يود عميقة تطهر الصدر، ممزوجة بعطر الياسمين. وفجأة، انفجر من بين صمامات البخار صوت كوكب الشرق وهي تشدو بلوعة هزت أركان السفينة: "فكروني إزاي.. هو أنا نسيتك؟". تجمّد يونس في مكانه، وسقطت مفاتيح الربط من يده؛ أدرك حينها أن محاولات الهروب من الماضي ليست سوى وهمٍ نسكنه طويلاً، وأن الذاكرة الحية أقوى من جفاء الغربة وغلظة الحديد. في تلك اللحظة، لم تعد السفينة معطلة ميكانيكياً، بل كانت ترفض الإبحار بعيداً عن حقيقته.
ارتقى يونس إلى السطح يلهث خلف النورس، فوجد الميناء قد تغيرت ملامحه. لم تعد أضواء المرافئ الباردة هي التي تلوح، بل كانت منارة الإسكندرية القديمة تشق الضباب. أخرج يونس يده من جيبه، ليجد الجنيه الفضي قد عاد إليه، لكن وجه الزعيم المنقوش عليه استحال ملامح "ليلى". أدرك المهندس في تلك اللحظة أن النقاء الذي يحمله بداخله هو المحرك الوحيد الذي لا يصيبه الصدأ، وأن العزلة كانت متاهة صنعها ليهرب من وجع الفقد.
ومع خيوط الفجر الأولى، دخلت السفينة الميناء بصمت مهيب. صعد الحرس لتفقد المحركات، فلم يجدوا أثراً للمهندس يونس، وجدوا فقط ريشة نورس بيضاء عالقة في صمام الأمان. وفي زاوية قصية من مدافن الإسكندرية المطلة على البحر، كان هناك طيفٌ يرتدي بدلة المهندسين الزرقاء، يقف أمام شاهد قبر ليلى. وضع باقة من الورود البيضاء، وبجانبه الجنيه الفضي الذي يلمع كعين الشمس، ونقش بإصبعه فوق الرخام تلك الحقيقة التي أدركها في أعالي البحار:
"النسيان خدعة نمارسها على أنفسنا، والقلب لا ينسى ملامح مَن أحب"
*****
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق