الشاعر / أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي /يكتب.. /ظلاً يشبهني..
ظلاً يشبهني.. (خاطرة)
أحمد مصطفى الهلالي
**********
على أرصفةِ الوقتِ الواهنة، أقفُ أنا.. لا الأمسُ يلملمُ أشلائي، ولا الحاضرُ يفتحُ لي ذراعيه. أطاردُ في كل فجرٍ ظلاً يشبهني، لكنه يفرُّ مني نحو زوايا باهتة في ملامحي، فما عدتُ أعرفُ من أنا.. أأنا ذلك الصدى البعيد لفتىً كان يملأُ الدنيا صخباً، أم أنني هذا الصمتُ الذي يسكنُ ثيابي الآن؟
في ممرات الذاكرة
الطفولةُ المنسية: أبحثُ في عروقي عن ذلك الطفل الذي كان يركضُ خلف الضوء، فأجدهُ قد خمدَ كجمرةٍ أطفأها مطرُ السنين، كأنه لم يمرَّ يوماً من هنا، وكأن دمي صار غريباً عن نبضي.
خديعةُ المرايا: أتحسسُ وجهي في المرآة، فأشعرُ أني أستلفُ ملامحَ رجلٍ لا أعرفه. أبتسمُ مرغماً، أجمّلُ انكساري أمام الزجاج؛ خشيةَ أن تفضحني النظراتُ المرتجفة.
خزائنُ الغبار: حين أفتحُ دفاترَ العمر، يسبقني الغبارُ إلى الحكايا. تتبعثرُ الأسماءُ التي كانت تسكنُ الروح، وتتحولُ الضحكاتُ القديمة إلى صدىً متكسرٍ يغرقُ في لُجّة الصمت.
حوارٌ مع العدم
سألتُ الليلَ عني، فما أجاب إلا بإعراضٍ بارد، وتركني لنجمةٍ وحيدةٍ تكسّر ضوءُها على جدار يأسي. وحاورتُ الوقتَ، فانسلَّ من بين أصابعي كملحٍ يذوب، تاركاً عقاربهُ الباردة تطعنُ صدري نبضةً فنبضة، وهي تُحصي ما فاتني من أحلام وما علقَ بي من عثرات.
"فمن أنا يا ترى؟ هل أنا الظلُّ الذي ضلَّ طريقَ صاحبه؟ أم أنا حكايةٌ مبتورةٌ سقطت من ديوان الزمان فعَلقت بين سطرين؟ أم أنني مجردُ عابرٍ يطرقُ بابَ ذاته كل فجرٍ.. فلا يُفتحُ له؟"
إشراقةُ الرّجاء
ورغم هذا الشتات، ورغم أني غادرتُ نفسي ذات يومٍ بلا وداع، إلا أني في كل صباحٍ ألملمُ بقاياي. أرتبُ ملامحي المبعثرة، أرتدي وجهي كأنه ثوبٌ جديد، وأمضي في دروب الحياة.. ليس يأساً، بل أملاً في أن ألتقي بـ "نفسي" التي أضعتها، في طريقٍ لم تطأه قدماي بعد، وفي غدٍ ربما يمنحني حقَّ العودةِ إليها.
*****
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
تعليقات
إرسال تعليق