"ما وراء الساعة.. وما بعد الحدود"قصة قصيرة. بقلمى ✒️أحمد مصطفى الهلالي
"ما وراء الساعة.. وما بعد الحدود"
قصة قصيرة
بقلمى ✒️
أحمد مصطفى الهلالي
**********
انبعث ضوء الشاشة البارد ليرسم ظلاً طويلاً على جدار غرفته الهادئة بقلب "مصر". كانت عقارب الساعة الميكانيكية المعلقة خلفه تشير إلى السابعة مساءً، بينما عيناهُ معلقتان بـ "توقيت المدن" في أسفل شاشته؛ هناك حيث تشير الساعة الآن إلى الثامنة.. هناك حيث "هي" تسبقه بزمن كامل.
فتح جهاز "اللاب توب"، وتسلل صوت المروحة الخفيض كأنه أنفاسٌ مضطربة. فجأة، أضاءت أيقونة الرسائل بوميض أخضر خاطف، واهتز سكون الغرفة بـ "إشعار" حمل اسمها. تجمدت أصابعه فوق لوحة المفاتيح لحظة، قبل أن يفتح الرسالة ويغرق في عوالمها، ليرد بكلماتٍ لم تكن مجرد حروف، بل كانت مرافعة روحية ضد جبروت المسافات:
"إليكِ يا مَن تسبقني بزمن.. وتسكني فيّ اللحظة:
قرأتُ كلماتكِ الأخيرة، فسمعتُ دقات ساعتي تهرول لاهثةً خلف خطاكِ، محاولةً اختصار ستين دقيقة وضعتها الجغرافيا نصلاً حاداً بيننا. تقولين إنكِ تقفين في 'مستقبلٍ قريب' تراقبين تعثري في الوصول إليكِ؛ والحقيقة يا حبيبتي أنني منذ التقيتكِ خلف زجاج هذه الشاشة، كففتُ عن عد الثواني، ورحتُ أبحث عن 'الأمان' الذي لم تمنحه لي الخرائط.
لم يكن لجوؤنا إلى هذا الفضاء الرقمي لهواً، بل كان رحلة استكشافية عن 'السكينة' وسط ضجيج المعارك التي نخوضها في أزقة الواقع. كنا نقتسم انكساراتنا بضغطة زر، فنرمم بكلمة ما عجزت عن إصلاحه سنوات العمر. كم هو موغل في الدهشة أن نهزم 'الأسلاك الشائكة' بذبذبات صوتية، بينما نقف أمام 'تأشيرة دخول' وقوانين دولٍ كأننا أسرى حرب! لكن الروح، لا تعترف بالحدود المرسومة بالحبر.
هذه الساعة الفاصلة ليست فجوة، بل هي 'برزخ' من الانتظار النبيل. أعيشُ يومي وأنا أعلم أنكِ مهدتِ لي الطريق بضوئكِ، وأن النجوم التي تبصرينها الآن هي ذاتها التي ستؤنس وحدتي بعد ستين دقيقة، وكأننا نتبادل الورد في لحظة واحدة رغم تباين الميقات.
لقد عبر قلبي كل بواباتهم الموصدة منذ تسلل صوتكِ الدافئ ليؤثث صمت غرفتي، ومنذ أضاءت صورتكِ عتمة هاتفي، لتخبرني أن ملامحكِ هي الحقيقة الوحيدة، وأن المسافات مجرد وهم يتبخر أمام حرارة الشوق.
لا تحزني من 'القرب الموجع'، بل افخري بأننا شيدنا وطناً لا يحتاج إلى اعتراف دولي؛ وطنٌ حدودُه الصدق، وعاصمتُه نبضكِ الذي يرمم شروخي، وصوركِ التي تزرع الأمل في دروب الغد. سنظل نُحارب 'الواقع' بوفائنا، لنثبت للعالم أن الأرواح حين تقرر اللقاء، لا تنتظر إذنًا من عسكري حدود.. بل تمضي، مسترشدةً بضوء القلوب.
أنا هنا.. دائماً خلفكِ بساعة، ومعكِ في كل ثانية."
أغلق "أحمد" جهازه، لكن ضوء الرسالة ظل يسطع في عينيه، مدركاً أن المسافة بين السابعة والثامنة ليست إلا "نبضة" واحدة.. لو صدق الحنين.
*****
تعليقات
إرسال تعليق