​رنين الفضة.. /قصة قصيرة/ بقلمي ✒️ أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

​رنين الفضة
قصة قصيرة
بقلمي ✒️ 
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

**********
​في تلك المدينة التي أنهكتها عواصف الحاجة، حتى بدا شحوب جدرانها كوجوه ساكنيها، كان يجلس بائع العملات القديمة في زاوية باهتة من السوق، يحيط به غبار الزمن ورائحة الورق العتيق. لم يكن يملك غير صندوق خشبي متآكل الحواف، وبعض القطع الفضية التي يعود تاريخها لزمن الرخاء، كانت تلمع تحت ضوء المصباح الشحيح كأنها ذكريات بعيدة تأبى الأفول.
​ذات مساء، والبرد يزحف في الأزقة، اقترب منه شاب تظهر عليه علامات الانكسار؛ ثيابه نظيفة لكنها مهترئة الأطراف، وفي عينيه بريق دمعة يحبسها كبرياء رجل يرفض السقوط. وضع الشاب بين يدي البائع قطعة نقدية نحاسية تالفة، غطتها طبقة من الصدأ حتى اختفت ملامحها، وقال بصوت متهدج يغالبه الارتجاف: "هل تساوي هذه ما يسد رمق طفلي الليلة؟".
​ساد صمت ثقيل، لم يقطع سكونه إلا ضجيج السوق البعيد. نظر البائع إلى القطعة، كان يعلم بيقين التاجر أنها لا تساوي شيئاً في لغة الأرقام، لكنه حين رفع بصره إلى وجه الشاب، قرأ حكاية مروءة طحنتها الأيام ولم تكسر عزة نفسها. تظاهر البائع بفحص القطعة بدقة، أخرج عدسته المكبرة، ومسح على النحاس بطرف ثوبه بوقار مصطنع، ثم ابتسم ابتسامة ملأت وجهه المتغضن وقال بنبرة ملؤها الدهشة:
"يا لدهشتي! أتدرك ما أحضرت لي؟ هذه قطعة نادرة جداً من حقبة مفقودة، كنت أبحث عنها منذ سنوات لتكتمل مجموعتي.. قيمتها تتجاوز كل ما في صندوقي هذا".
​أخرج البائع كل ما جنته يداه في ذلك اليوم، حبات العرق والكد، ووضعها في كف الشاب التي كانت ترتجف ذهولاً، ثم أردف بامتنان حقيقي: "بل أنا المدين لك بهذا الكنز، لقد أنقذت شغفي اليوم".
​غادر الشاب والذهول يغلف ملامحه، والدموع التي حبسها طويلاً انهمرت الآن، لكنها كانت دموع شكر لا انكسار، وكرامة رُممت بكلمة طيبة.
​حينها، سأل أحد الجالسين البائع مستنكراً: "لماذا كذبت عليه؟ أنت أعلم الناس بأن القطعة خردة لا قيمة لها!".
مسح البائع على صندوقه الخشبي بهدوء، ونظر إلى القطعة النحاسية في يده كأنها أثمن مقتنياته، وأجاب بصوت رخيم:
"يا بني، قيمتها ليست في عيار معدنها، بل في حفظ كرامة إنسان. الفضة الحقيقية هي التي تلمع في النفوس حين يظلم الواقع، والرنين الذي سمعته الآن في قلبه.. أبقى وأغلى من رنين الذهب".

*****
أحمد مصطفى الهـــلالـــي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي