الشاعر.. .. أحمد مصطفى الهلالي. يكتب.......... صلاةٌ في محرابِ الذاكرة (نص نثري)
صلاةٌ في محرابِ الذاكرة
(نص نثري)
**********
على عتبةِ ذاك البابِ المفتوحِ نحو الضوء، أقفُ اليوم.. لا لكي أودعَ الأمس، بل لكي أستعيدَ منه ما سرقتهُ الأيام. في "وادي الذكريات"، لا ترحلُ الوجوهُ تماماً، بل تبقى معلقةً كقناديلَ صغيرةٍ تضيءُ لنا عتمةَ الحاضر. هناك، حيثُ يلتقي الصمتُ بالصدى، ندركُ أنَّ الزمانَ ليس نهراً يجري في اتجاهٍ واحد، بل هو بحرٌ يسكننا، نغوصُ في أعماقه كلما احتجنا أن نتنفسَ صدقاً افتقدناه في زحامِ الوجوهِ العابرة.
إنَّ بابَ الوادي ليس حداً فاصلاً، بل هو مرآةٌ تعكسُ جوهرنا الذي صقلتهُ السنون، فنرى في ملامحنا اليوم بقايا ملامحٍ ضحكتْ بالأمس، وفي نبرةِ صوتنا أصداءَ دعواتٍ كانت تُتلى بصدقٍ تحتَ سماءِ الطفولة. خلفَ كلِّ ضوءٍ ينبعثُ من هناك، حكايةٌ لم تكتمل، وقصيدةٌ خبأناها بين طياتِ الصمت، وضحكةٌ قديمةٌ لا تزالُ ترنُّ في أزقةِ الروح.
نحنُ لا نعودُ للماضي لأننا عاجزون عن المضيِّ قدماً، بل نعودُ لنجمعَ شتاتَ أنفسنا، ولنقولَ لتلك اللحظات: "شكراً لأنكِ كنتِ يوماً حقيقتنا الأجمل". وعلى رصيفِ الانتظارِ الممتدِّ بين ما كان وما سيكون، نتعلمُ أنَّ الفقدَ ليس موتاً للأشياء، بل هو إعادةُ صياغةٍ لوجودها فينا. فالأماكنُ التي غادرناها لم تغادرنا، والكلماتُ التي لم نقلها لا تزالُ تنبضُ في عروقِ الورق، بانتظارِ لحظةِ بوحٍ تعيدُ للروحِ توازنها. نحنُ لا نكتبُ لنؤرخَ الرحيل، بل لنبنيَ جسوراً من اليقينِ فوقَ أنهارِ الحيرة.
إلى كلِّ العابرين في هذا الوادي.. تمسكوا بضوئكم، فالذكريات ليست مجرد غياب، بل هي الحضورُ الأبقى في قلوبِ من نحب. لا تخشوا العودةَ قليلاً، ففي كلِّ رجوعٍ زادٌ للمسير، وفي كلِّ دمعةِ حنينٍ غسيلٌ للقلبِ من غبارِ الأيام. كونوا ممتنين لكلِّ خفقةِ قلبٍ علمتكم كيف تحبون، ولكلِّ عثرةٍ جعلتكم تعرفون معنى الوقوفِ من جديد. ففي نهايةِ الوادي، لا يبقى إلا ما زرعناهُ من طيب، وما أبقيناهُ من ضوء.
*****
أحمـــد مصطفى الهلالي
تعليقات
إرسال تعليق