أو غربة... /بقلمي ✒️/ أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي جمهورية مصر العربية
أو غربة...
بقلمي ✒️
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
جمهورية مصر العربية
**********
أرسمُ عينيّ
على غبارِ النوافذِ المبللة،
وأتأملُ شوارعي…
كأنّي الحكايةُ التي سقطتْ
سهوًا من كتابِ الأمس.
هنا…
في حقولِ الإسمنتِ الأنيق،
الزمنُ عقربٌ مُدرَّبٌ على الصمت:
الساعات،
الوجوه،
السيارات،
حتى الشوقُ هنا
مُهذّبٌ جدًّا،
يمشي في ممرّاتِ التطورِ
ولا يرتجل.
إلّا أنا…
فما زلتُ
أعبرُ الشوارعَ المضاءةَ بالنيون
بقلبٍ قرويٍّ
يخافُ على الفجرِ من الضياع،
وأبحثُ في عيونِ العابرينَ المتعبين
عن رغيفِ خبزٍ خبّأتهُ أمّي،
عن ترابِ حارةٍ
كانت الشمسُ تغسلُ جدرانَها
قبلَ أن تستيقظَ العصافير،
عن طمأنينةٍ غادرتْ بيوتَ الطين.
يا وطني…
ما أصعبَ أن يكونَ المرءُ
عابرًا في أرضِهِ،
بينَ بلادٍ باتت تقيسُ الإنسانَ
بأرقامِ المعاملاتِ والشاشات،
حيثُ يُصبحُ فيهِ صوتُ الحرِّ
قضبانًا وأصفادًا.
وما أقسى أن تحتاجَ
إلى معجمٍ كامل
لتشرحَ لأبناءِ جلدتِك،
كيف يمكنُ لقصيدةٍ قديمة
أن تُشفيَ الروح.
هنا…
يقولون لي: كيف حالُك؟
فأوميءُ برأسي كملكٍ مخلوع،
وأدفنُ بحارَ الحنينِ
تحتَ صمتي الثقيل.
لا أحدَ يبصرُ
الموقدَ المشحونَ بالذكرياتِ
الذي أُشعلُهُ كلَّ مساءٍ
في غرفتي الباردة.
لا أحدَ يدركُ
أنّ عواصمَ الإسمنتِ الحديثة
مهما تأنّقتْ،
تظلُّ عاجزةً
عن منحِ الدفءِ لقلبٍ يحنُّ للماضي.
أنا العربيُّ
الذي يبدأُ النيلُ من صوتهِ ومن طميِهِ،
يسيرُ والبلادُ القديمة في صدرِهِ،
يُخبّئُ ياسمينَ الشام،
ونخيلَ العراق،
وأوراسَ الجزائر،
وعقيقَ اليمنِ البهيّ،
ونفحاتِ الفلِّ في تونسَ الخضراء،
وأرزَ لبنان،
وسُمرةَ السودانِ الطيّبة،
ومآذنَ المغرب،
في تجاعيدِ كفّيْه،
وفي صمتِهِ الطويل.
يا وطني…
الحوانيتُ هنا تفيضُ بالورد،
لكنّ ريحانةً واحدةً
على نافذةِ جارتِنا الراحلة
كانت كفيلةً
بأن تُبهجَ العمرَ كلّه.
والأضواءُ هنا باهرةٌ…
لكنّها لا تضيءُ
عتمةَ الروح.
أشتاقُ…
لكلِّ التفاصيلِ الصغيرةِ التي سرقَها الوقت،
لصوتِ "الستِّ" ينسابُ دفئاً من مذياعِ المقهى القديم،
لصوتِ الباعةِ المتجوّلينَ في أزقتِنا،
لشجارِ الأطفالِ في الحارةِ قبلَ زمنِ الشاشات،
لجلسةِ الشايِ العفويةِ عندَ الغروب،
وللقمرِ الذي كانَ ينزلُ
ليسامرَنا فوقَ السطوحِ البسيطة.
يا وطني…
ألبسونا هنا ثوبَ الحداثةِ الجافّ،
لكنّهم
عجزوا أن ينزعوا من دمي
بساطةَ الأمس.
فأنا
كلّما حاولتُ أن أُواكبَ هذا الزحام،
تلوّحُ لي نخلةٌ من ذاكرتي،
ويحملني الموجُ
إلى شواطئِ الطفولةِ الهادئة.
أنا المسافرُ
دون أن يبرحَ مكانَهُ،
تتقاذفُني لغتان: لغةُ العصرِ الباردة، ولغةُ قلبي المشتاقة,
وتتقاسمني أرضان؛
أرضٌ عشتُ فيها ومضتْ،
وأرضٌ أقفُ عليها اليومَ ولا تشبهني.
لهذا…
أعيشُ كأغنيةٍ
نسيتْ طريقَ العودة،
نصفُها حنينٌ لِما كان،
ونصفُها الآخرُ
غربةٌ في المكان.
*****
تعليقات
إرسال تعليق