​هـكـر / ​قصة قصيرة/ بقلم الشاعر/أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي/ مصر

​هـكـر
​قصة قصيرة
أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي
مصر

**********
​يجلس في غرفته المعتمة، إلا من وهج ثلاث شاشاتٍ متراصة، تعكس ظلالاً زرقاء على وجهه الشاحب. لا روائح هنا سوى رائحة الأسلاك المحترقة والقهوة الباردة. على الشاشة اليسرى، صورة لامرأةٍ لا يعرفها، تبتسم بصفاء في حفل تخرجها، وعلى الشاشة اليمنى، جسدٌ غريب يتحرك في وضعٍ مريب.
​أصابعه تتحرك على الفأرة بمهارة جراحٍ يزرع السرطان؛ يسحب الوجه.. يدمجه مع الجسد.. يعدّل الإضاءة.. يضبط انحناءة الخصر. البرمجيات تعمل بصمت، تعيد بناء الواقع ذرةً بذرة، وثمة "خيطٌ" رقمي يربط بين البراءة والفضيحة، لا يراه إلا هو.
​نقرة: معالجة.
​بعد دقائق، وُلد "الوهم". الصورة الآن حقيقية أكثر من الحقيقة نفسها.
فجأة، اهتز هاتفه الموضوع على جانب الطاولة. رقمٌ طويل، غريب، لا يحمل هوية. لم يبتسم، ولم يتردد. ضغط "رد" ووضع الهاتف على أذنه دون أن ينطق بكلمة. جاءه صوتٌ أجش، مشوّش رقمياً، يسأل بكلمة واحدة: "أينع؟"
ردّ "الهكر" وهو يراقب شريط التحميل ببرود: "القطاف بدأ.. والرياح مواتية."
قال الصوت: "والأثر؟"
أجاب بكلمات مبهمة: "محوته بظلّ الغراب.. لن يجدوا إلا الفراغ."
أُغلق الخط فجأة.
​أعاد الهاتف إلى مكانه، وبدأ بإرسال الرابط في رسائل خاصة إلى عائلة المرأة، وكتب جملةً مقتضبة:
​"هل هذه هي ابنتكم المصونة؟"
​نقرة: إرسال.
​خلف الجدران، في منزلٍ كان آمناً، تحوّل السكون إلى جحيم. لم ينتظروا تبريراً، ولم يشفع لها تاريخٌ من النقاء. نظراتهم المسمومة كانت أسرع من صوتها المخنوق بالبكاء. رأت في عيونهم حكماً بالإعدام قبل أن ينطقوا، وعرفت أن الحقيقة صارت أضعف من أن تُرى خلف الشاشات.
​على الشاشة، يراقب "الهكر" عدّاد الرسائل المسربة، يرى التعليقات التي تنهال كالسياط. فجأة، ظهر منشورٌ جديد، صورةٌ من الشارع المقابل لبيتها:
"سقطت من الطابق العاشر.. رحلت وبقي العار."
​توقف قلبه للحظة، لم تكن تلك هي الخطة، لكنه سرعان ما استعاد بروده. مسح جبهته بيده الباردة، وفتح نافذة الدردشة مع تلك "الجهة" المجهولة، ويكتب:
​"الهدف تم محوه نهائياً.. العائلة انتهت قبل صلاة الفجر."
​يصل الرد فوراً، رنين عملة رقمية تدخل محفظته: "تم التحويل."
​أغلق الشاشات جميعاً. ساد صمتٌ مطبق إلا من أنفاسه المتقطعة. نهض من مقعده، خلع قميصه القطني المجعد، وارتدى قميصاً أبيض ناصعاً، وسترةً زرقاء أنيقة. مشّط شعره بعناية أمام المرآة المكسورة، رسم على وجهه ابتسامةً وادعة، ووضع على صدره شارة "متطوع في جمعية حماية القيم".
​فتح باب غرفته، وخرج إلى الصالة حيث تجلس أسرته تشاهد نشرة الأخبار. نظر إلى أبيه وقال بصوتٍ يقطر حزناً مصطنعاً:
"هل سمعتم عن الفتاة المسكينة التي انتحرت؟ يا لفساد هذا الجيل.. لا بد من تشديد الرقابة!"
​هز الأب رأسه موافقاً، بينما عاد "الهكر" إلى مرآة الردهة، يتأكد من "غلافه" الأخير.
لقد اكتمل الأمر..
الضحية تحت التراب، والمجرم يلقي خطبة الجنازة.
​في عالم ما خلف الشاشات،
التزييف العميق ليس في الصور فقط، بل في الوجوه التي نقابلها كل يوم.
*****
​أحمد مصطفى الهـــلالـــي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

​ ️أحمد مصطفى الهلالي.. يكتب.. لـــهـفــة.. قصة قصيرة

*​إبنة قلبي.. لو تعلمین*................ بقلمي✒️أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

"جَوابُ السَّكَن".. 🌷بقلمي✒.. 🌷️..............أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي